ظهيرةٌ ساطعة، تمسح بالحمم اللاظية على شوارع مدينتنا. وفي مقهى فاره أقصى المدينة، وعلى طاولة كسول، يحاول كوب الشاي بالنعناع الهرب على شكل أبخرة أمامي في مشهد تراجيدي.
يذرع النادل المنظر أمامي جيئةً وذهابًا برشاقة غزال، يسأل كل مرة إن كنت أحتاج شيئًا. أخبرته باهتمام في المرة الأخيرة أنني أحتاج بعض الهدوء إن كانَ مما يقدمونه في قائمة الطلبات. انسحب بابتسامة مصطنعة، فبادلته ابتسامةً أشدَّ اصطناعًا.
جلس في طاولة مجاورة رجلان جليٌّ أنهما نافران من سياق بعيد عن هذه المدينة وتعقيدها، وعن هذا المقهى، وعن هذا الزيف كله. كانا يحاولان التَّماهي مع جو المقهى؛ طلبا ما يحتاجان وأكثر، وراحا بكل طريقة يثبتان أنهما ينتميان لهذا الأُنس. نظرتُ لنفسي وقلت: ما الذي يقوله عني ذلك الرجل الذي يرمقني من نصف ساعة؟ يبدو أنني حصلت على حكم مشابه. ألجأتني إليه حرارة المدينة، ورغبتي في مكان هادئ أفكر فيه بتعالٍ مقصود. في هذه الأثناء صاح «رابح صقر» من سقف المقهى: «نختلف في الأسامي، ونتفق في المصير». أخذتها إشارةً أستأنس بها، ثم لم أنسَ أن أنتقد هذا المقهى الذي يبث أغنيات رابح صقر الراقصة في هذا التوقيت الذي لا ينفع فيه سوى تذكّر حرِّ جهنم والتعوّذ منه.
بعد دقائق، بدأت محاولات الشاي في الهروب من الكوب تتباطأ. بدأ يستسلم للوعاء، ويخضع لانسحاب الحرارة من جوفه. حرارة الشاي هي روحه. بعد دقائق إضافية كان الشاي قد استسلم تمامًا، وتداعت في قاع الكوب وريقات النعناع الذي جُلب من مزارع ليست ببعيدٍ عن المدينة؛ ليقضي دورًا هامشيًا في حياة الشاي. يموت النعناع نعناعًا، ويموت الشاي سائلًا متحولًا، تتناقله أعضاء متفرقة لينتهي لمصير مجهول في مجارير المدينة. يا لهذا المصير البائس!
من داخل الكوب، كانت ورقة النعناع اليانعة تغرق بيأس وهي تلصق جسدها المبتل بزجاج الكوب. خطر لي أنها ربما تودّ قول شيء أخير. رحت أتسامع لها، وأحثُّها على الكلام، ووعدتها أنني لن أشرب الثُّمالة آخر الكوب؛ حتى أعطيها الأمان. طلبت منها أن تخبرني عن رأيها فيّ.
بعد توهمات طويلة، سمعتها تقول: «لا تكن مثلي، لا تكن ورقة نعناع». ضحكتُ من نفسي، لأنني من قال هذه الجملة وتسامعَها. كررت عليّ بصوت حازم: «لا تكن ورقة نعناع...». لم أرتح لهذا التكرار، ورحت ألتفت حولي إن كان ما سمعته سمعه أحد غيري. وهنا قالت الورقة: «لا تكن ورقة نعناع في مدينة يقضي بها النعناع مختنقًا آخر الكوب..». لم أحتمل هذا التوهم الذي امتزج بإشاريّة عالية. خطفت الكوب لأبتلع الثمالة الأخيرة، وحين ألصقت الكوب بفمي، خرجت كلمات الورقة أكثر وضوحًا وصدقًا: «لا تشرب هذه الثُّمالة المحرَّمة، كن ورقة نعناع صادقة مع ورق النعناع».
أصل النص: ستوري على إنستاقرام، بتاريخ 23 يوليو 2019،
