كم كنتُ أحبُّ الكتابة والسفر حين كانا فعلين بريئين، خاليين من مسؤولية! من ذا يؤاخذ شابًا في مقتبل عمره على حماسة غير منضبطة، أو فذلكة لغوية لا طائل وراءها؟ أما اليوم وأنا أخطو في عقدي الرابع، فإني أتهيّب الكتابة والسفر؛ لأن الحكمة جبانة، واستشراف العواقب معطِّل. نكبُر فنظن عقولنا تكبُر، فإذا هي خميرة أفكارنا تفشو، وكل امرئ بما جمع في أول إدراكه رهين. ومن جمع الله له بين رهافة الحس ونكد الدنيا فقد أعطاه آلة الحكمة، إن وُفّق إلى الرضا عن الله في نفسه.
سافرتُ لأفكّر.. لأقرّر، وقد كنت سابقًا أفكّر وأقدّر لأسافر. سافرت بلا خطة لأقل مدينة حظًا من مودّتي: «باريس».. لأنني لا أدري لمَ كنت أكرهها أصلًا. يبدو أنه انطباع قديم تجمّع عبر سنوات القراءة المحافظة، أو هو ممارسة «استحماض العنب غير المُطال»، أو أن الأصل في باريس أن تكرهها حتى تجد ما يشفع لها.. لم أكن أدري تمامًا. لكن الذي عرفته أن عاصمة الاستعمار البشع هي مدينة الأنوار في أوروبا، وأن تخطيطها الحضري بديع، وأنا رجل يأخذه العمران. والمعيار الأهم دومًا في تقييم المدن — الذي لا تأخذ به مراكز الدراسات والأبحاث — أن أصدقائي يقطنون بها، وهذه منقبة لأي مدينة في العالم، وعذرٌ ينقلني عبر الأجواء لاستحلال ساعات ثمينة من أيامهم الغالية في مدن لا تقدّر أريحية العرب وسيولة الزمن عندهم.
كنت في فرنسا، زرت عبد الباري وعاطفًا: عبد الباري الشاعر المفكر، وعاطف الإذاعي المخضرم بمونت كارلو، الصديقان اللذان أعامل كلامهما معاملتي أغاني أبي بكر سالم وطلال مداح. مررت بالمقهى الذي شرب فيه فولتير قهوته وضُرب فيه كذلك، وأكلت أفضل كرواسون في فرنسا، واشتريت عطورًا تفوق قدرتي المالية، وركبت دراجة هوائية، وغازلت ملاكًا في غابة نائية بأطراف فرنسا.. مارست شهواتي المؤجلة بدواعي النضج والجد.
خرجت من فرنسا منقوص القلب والمال جدًا، زائد الوزن بسبب الخبز الجيد. هل كانت فرنسا تستحق الزيارة بعد كل هذا؟ نعم. ولهذا حديث مؤجل. ذهبت لهولندا بعدها، ثم طرت لكينيا. قد أنشط للحديث عن بقية الرحلة، أو سأكتفي بتحميض الذكريات مع نفسي.
أصل النص: منشور 15 نوفمبر 2025.
