إيكيا، العلامة التي تذكِّرني أنني طارئ.
من بين الطَّيف الواسع من الرِّسائل التي يمكن لعلامة إيكيا أن تنتجها في أذهان عملائها، فإنَّ رسالتها عندي: «أنت طارئ، تبحث عن حياة!». ارتبطت عندي هذه العلامة بالتَّنقُّلات المستمرَّة، والتَّجارب الجديدة. رمَّمتُ بيتي في مكة آخر عام 2017، والتَّرميم - لمن لم يجرِّبه - وعدٌ يقطعه المرء على نفسه بالبقاء؛ لا أحد يُصلح سقفًا لا ينوي النَّوم تحته طويلًا. وكان معظم أثاثه من إيكيا. قطعتُ وعد المقام، وأثَّثتُه بما يُفكَّك.
لم تمضِ أشهر حتى انتقلت لجدة منتصف 2018، وكالعادة أثَّثت غرفتي «المؤقَّتة دائمًا» من إيكيا. جلستُ في هذه الغرفة «المؤقَّتة» خمس سنوات، قضيتُ سنةً منها في الرِّياض، والتي زرت فيها إيكيا مرات لتأثيث شقَّتي «المؤقَّتة» في الرِّياض. عدتُ لجدة وانتقلت لبيت «مؤقَّت» آخر لا أعلم كم سأمكث فيه. وصار لي في الشِّراء معيارٌ واحد لم أنتبه متى تكوَّن: هل يُفكَّك؟
احتجتُ بضعة أغراض فزرتُ إيكيا اليوم، فهجم عليَّ سربٌ من الأسئلة والمشاعر الملحَّة. وتقدَّمها سؤالٌ واحد لم أتوقَّعه وأنا أقلِّب البطاقة بين أصابعي: في أيِّ بيتٍ سأفكُّ هذه القطعة؟
تذكَّرتُ كلَّ مَن دخلت معهم إيكيا. تذكَّرتُ كلَّ تنقُّلاتي. استرجعتُ أسماء القطع التي أطلبها دون حاجة لقراءة الدَّليل. نفس «الكوكي» الذي أطلبه، وبعض المقرمشات السُّويدية التي أتعلَّل بها وقت تركيب الدَّواليب. ولإيكيا سهمٌ واحد على الأرض لا يسمح لك بالرُّجوع؛ مسارٌ مرسوم لا يُقطَع إلا إلى الأمام، تمرُّ فيه على كلِّ شيء سواء احتجته أو لم تحتجه. تذكَّرتُ طعم الاجتماع والفراق: دولابٌ ركَّبناه اثنين وفككتُه وحدي. انتهت جولتي بنفس الشُّعور: «أنت طارئ، تبحث عن حياة».
أمَّا عن لماذا وجدتُ في إيكيا هذه الرِّسالة من بين كلِّ الرِّسائل الأخرى؟ فلأنهم حين صنعوا شريحة من منتجاتهم كانوا يفكِّرون في أمثالي، الذين يركضون ويركضون بلا توقُّف، تسمح لهم طاقاتهم بالقفز فوق الحدود الجغرافية. كانوا يفكِّرون ببساطة وواقعية: عينٌ على الأرض، وأخرى في الأفق. الكرتون المسطَّح، والمفكُّ السُّداسي، والتَّعليمات بلا كلمات: كلُّ قطعة مصمَّمة وهي تفترض أنها ستُفكَّك يومًا. ولهذا لا أراها شاهدًا بريئًا على ترحالي، بل شريكة فيه؛ فحين يصير الرَّحيل خفيفًا ورخيصًا يصير أسهل، والشَّيء الذي يعينني على احتمال العبور هو نفسه الذي يؤجِّل عليَّ سؤال الاستقرار.
ما زلت أحب إيكيا رغم هذه المشاعر؛ لا لأنها تعدني ببيت، بل لأنها لا تسألني كم سأبقى فيه. تعاملني كأن «المؤقَّت» شكلٌ من أشكال الحياة، لا انتظارٌ لها. لأنني أجد فيها دائمًا ما يعينني على المكث «المؤقَّت».
