← العودة
تدوينة 2026/09/12 15 دقائق قراءة

النزول من الباص: آدابٌ في التعامل مع النهايات المؤلمة


النزول من الباص: آدابٌ في التعامل مع النهايات المؤلمة
الحقيقةُ أنَّ الكراهية، في بعض صورها، أيسرُ من الفقد؛ لأنَّ قولك: «كان سيِّئًا» أهونُ على النفس من اعترافها بحدود الأشياء: «كان عزيزًا، وانتهى المشوار معه».

أما قبلُ: فإنِّي امرؤ مولعٌ بالتَّقديم بين يدي ما أطرق من موضوعٍ، فلا يحملنَّك طول المقدّماتِ وكثرة الاستعارات على النفور من القراءة، فإنّ إحكام المقدّمات مطلوبٌ لحسن التَّصوّر، والاستعارات مندوبةٌ لتقريب المعاني، فأوعر مسالك الكتابة هو: النَّفسُ البشريَّة، وما كلامي هنا بأكثر من تجارِبَ أتبعتُها النَّظر، وأدمت فيها التَّأمُّل، حتى خرجتْ أفرعًا من حكمة أتمثَّلها، وأحبُّ أن يتفيَّأ ظلالها المحاولون من النَّاس.

أما بعدُ: الإنسان كائنٌ عابرٌ موقوتٌ له، وحياته طالت أو عرُضَت هي في أنفاس الكون لحظاتٌ معدودةٌ، تُفتَتَح بالجهل والعجز، وتنتهي في - أفضل الأحوال - بالحكمة والعجز كذلك، وبين العجزيْن طيفٌ من الأحوال، والتَّجارب، والمحطَّات، والخيبات. ومتى أحكم الإنسان تصوُّر حياته بين حاصرتين، وآمنَ بقلَّة حيلته بالغَ - ما تراءى - له أنَّه بَلَغَ من الحزم والبطش والقدرة = كان معدودًا في أهل العقل، محسوبا على أهل الفضل.

وإذا صوَّرنا الحياة رحلةَ عبورٍ بين غَيبيْن، جاز لنا أن نتصوّر حيواتنا «باصاتٍ» نقطع بها رحلة لا نعرف أين تنتهي، نصعد الباص ولا نعرف على التحقيق أين تتوزّع محطّاته، ولا مَن سيركب معنا، ولا مَن سينزل قبلنا، ولا كم يبقى لنا من الطريق. نصحب فيه أشخاصًا، ونحمل آمالًا، ونبدّل المقاعد ونستمتع بالرفقة، ونرسم من وراء الزجاج وجهاتٍ لم نبلغها بعدُ، ثم ننسى، مع طول الألفة، أبسط حقائق العبور: أن الباص لم يُخلق للإقامة.

ولهذا الباص دائمًا طاقةٌ استيعابية. والمشكلة ليست في أن بعض ركّابه سينزلون؛ فهذا من طبيعة الرحلة، وإنما في أننا لا نحسن دائمًا إنزال من انتهت رحلته معنا. نحتفظ أحيانًا بمقعده بعد رحيله، ونحمله معنا غائبًا كما حملناه حاضرًا: مرّةً بالحنين، ومرّةً بالندم، ومرّةً بالغضب، ومرّةً بكراهيةٍ نظنّ أنها نقيض التعلّق، وهي في حقيقتها صورةٌ أخرى منه. وأحسب أن كثيرًا من شقائنا مع النهايات يبدأ من توقّعاتنا الرغبويَّة أوَّل الأمر، ليس لأن الأشياء انتهت، بل لأننا كنّا قد كتبنا لها، في خيالنا، نهايةً أخرى، ولعلّ النهايات لا تؤلمنا كلّ هذا الألم لأنها نهاياتٌ فحسب؛ بل لأننا قلّما نعيش الحوادث في حدود ما هي عليه. نحن نمدّها، من حيث لا نشعر إلى ما نرغب، وما نحلم به، مرَّة لأننا «أشخاصٌ جيّدون، ونستحقُّ الأفضل»، ومرَّة لأنَّ «الله يحبُّنا»، ومرَّاتٍ كثيرة تحت خوفنا الفطري من احتضان المجهول، وليسَ فحصُ التّوقُّعات، وتحسُّس المقدِّماتِ، إلا ضربًا من الواقعيَّة المُرَّة، ولونًا من إفساد المتعة الحاضرة، لا يُحبُّه رفاق الباص، فنكافحه بالدَّرْوشة والدعاء والبخور والنسيان...

المحطَّة القادمة على بُعد خيبتين: أدبُ التَّهيؤ

الحياة رحلةٌ موقوتةٌ، تنتظمُ داخلها أحداثٌ موقوتةٌ هي الأخرى، تمضي بالتوازي مع مخزونٍ صعب الإدارة والتقييم من صِحَّة جسديَّة وسواءٍ نفسيٍّ وسعة عقليَّة.. وفي أزمة إدارة كلِّ هذه الموارد الداخليَّة، يتحرَّك الباصُ غير مبالٍ بما تعتقده عن الطريق، والرفيق، والمحطَّات، ومدَّة الرحلة.. يقتربُ الباص من محطَّةٍ، فيتهيَّأ أشخاصٌ، وأفكارٌ وأحوالٌ للنزول، وعلى الرصيف يتهيَّأُ غيرهم للصعود، والمفارقة أنَّ الوقوف عند المحطَّة عند غير المتهيِّئ للنزول: نهايةٌ غير سعيدة، أما المتهيِّأ للنزول لا يعدُّ وقوف الباصِ نهايةً للرحلة، فهو يصعدُ عمَّا قليلٍ باصًا آخر، لطريقٍ آخر، ورفقةٍ أخرى.

ولعلَّ أوَّل آداب العبور أن نتعلَّم التهيؤ بما يُناسِب؛ ليس بأن نستقبلَ النِّعَمَ متوجِّسين من زوالها، ولا أن نضع في جيب كلِّ علاقةٍ نعيًا مبكِّرًا لها، فتلك حيلةٌ أخرى لإفساد المتعة بالحاضر خوفًا من المستقبل؛ والعقل أن نحبَّ ما معنا في حدود حقيقته: شيئًا عزيزًا، حاضرًا، غير مضمون. والنِّهايات قسريَّةٌ، لا مفرَّ منها، ولعلَّ هذا المعنى كلَّه مجموعٌ في الحديث: «عِشْ ما شئتَ فإنك ميّتٌ، وأحبِبْ من شئتَ فإنك مفارقُه، واعملْ ما شئتَ فإنك مجزيٌّ به». وما أفهمه من هذا النَّصِّ الاسترسالُ في الفعل، مع توقُّع النهاية، لا الحثّ على الكفِّ عن الحبِّ، والعيشِ، والعمل.. بل خذ بحظِّك من هذه دون أن تنسى أنَّ له نهاية، وهذا، فيما أظن، هو أدب التهيؤ: أن تحبَّ دون أن تتوهَّم الخلود؛ وأن تستمتع بالرفقة، دون أن تنسى أنَّ للباص محطّات.

هل يغني حَذَرٌ من قَدَرٍ.. أو تهيُّؤ من ألمٍ؟

الإجابة القصيرة: لا. وهنا سأدخلُ لما قدَّمتُ له طويلًا دون استعاراتٍ كثيرة. عليكَ أن تتهيَّأ للنزول، وتستعدَّ للألم. مهما كنتَ واعيًا بالنهايات لا يحصِّنكَ هذا الوعي من الألم، ولكنَّه يحميك من إضافة آلامٍ - غير ضروريَّة - إلى ألمك، التهيُّؤ للفراق يحمي من «التطشير»، ويُبقي على «الوحدة الموضوعيَّة» للألم قدر الإمكان: فيحصر الألم لفراقٍ شخصٍ عزيزٍ، أو تحطُّم مشروعٍ عاطفيٍّ كبير مثل: الحبِّ والصداقة، أو الخطوبة، أو الزواج.. في حدوده المعقولة قريبةً كانت أو بعيدة، لا أن يزحف على مساحاتٍ أكبر مما ينبغي، ويعتدي على مكتسباتٍ بُنيتْ خارج حدود موضوع الخسارة، فيأتي عليها بالخراب والمرارة. للألم حقٌّ أصيلٌ، لكنَّك لحظة التألُّم قد تمنحه كلَّ الحقوق: حقَّ العبث بقلبك، وروحك، وإيمانك، وعملك، وبيتك، وأخلاقك ومالك؛ وتطلق له العنان حتى لا يعود ألمًا في موضعه، بل قوَّةً تعيد تشكيلك على صورتها. وحينئذٍ لا تكون قد خسرتَ ما فاتك فحسب، بل شيئًا من نفسك أيضًا؛ وربما طال مقام الألم فيك حتى يصير الرجوع إلى طبيعتك الفاضلة أشقَّ من احتمال الفقد الذي بدأ منه كلُّ شيء.

لا أدّعي هنا حكمةً من أيِّ نوعٍ، لكنني أدّعي أنني جرَّبتُ أنواعًا من الألم شتى، وتعاملتُ مع وجوه قاسيةٍ من الفقد، لعلَّ من أقساها فقدان نفسي زمنًا ليس بالقصير، وحين أقول لك: إنَّ رجوعك إلى طبيعتك الفاضلة شاقٌّ، فأنا أعي ما أقول، وأتذوقه جيِّدًا. لقد سمحتُ للألم أن يطغى حتى بات تحجيمه والسيطرة عليه عملًا شاقًّا، والألم أبو الغضب، والغضب أبو القبائح من قولٍ وعملٍ.. تخيَّل أن تتألَّم لفقدِ عزيزٍ، أو فوات فرصةٍ، وخسارةِ حُلم، ثمَّ تغضبَ لأنَّك فشلتَ في إخضاع الواقع لرغبتك؛ لينتج عن غضبك المزيد من فقدان الأعزّاء، وفوات الفُرصِ، وخسارة الأحلام، لأنّك صرت تُستَفَزُّ من هدوء الآخرين حولك، ولا تنفكُّ تقارن حالك بحالهم، وتنتقم لألمك من سلوِّهم، وانشغالهم بحياته، ومداراتهم نجاحاتهم الصغيرة؛ فتدخلَ في الحسدِ من حيث أردتَ أن تسلو.. ولئن كان الألم لفوات ما فاتك أوَّل الأمرِ قَدَرٌ، فإن فوات ما يتلو ذلك بالغضبِ اختيارٌ، لأنَّك لم تتعقَّل في الرَّخاء مآلات الأمور، واستحكامَ النِّهاياتِ، وتجافيتَ عن الوقائع، وأسرفتَ في الرَّغبات، فعرَّضتَ نفسك بذلك إلى مقدارٍ زائدٍ من الألم، وهكذا لا يمنع التهيؤ ألمَ الفقد، ولكنه قد يمنع ألم الفقد من أن يصنع فقدًا آخر.

لماذا نكره «إكساتنا»؟

أنهيتُ العام الماضي عدَّة علاقاتٍ، بين صداقة وخطوبة وشراكة تجاريّة، كنتُ النّازلَ فيها من باصٍ غيري مرّةً، والمُنزِلَ لاثنينِ من باصي مرتين، هذا في عامٍ واحدٍ. ولم تكن النهاياتُ الثلاث متشابهة، لا أسبابها، ولا مقادير المسؤولية فيها؛ لكنَّ شيئًا واحدًا أثار ملاحظتي بعدها: حاجتنا نحن البشر، إلى إعادة كتابة تاريخ الأحداث بعد أن تنتهي، والاحتفاظ بنسخة من السَّرديَّة تجعلنا فاضلين.

فكأنَّ الاعتراف بأنَّ علاقةً ما كانت جميلةً ثم انتهت لا يكفي، وأنَّ شخصًا عزيزًا ثم لم يعد صالحًا لأن يكمل الطريق معنا لا يكفي، وأنَّ اختلاف الرؤى حول مشروع لا يكفي لإنهائه؛ لا بدَّ أحيانًا من محاكمةٍ بأثرٍ رجعي، تُستدعى إليها الذكريات كلُّها، ويُعاد تفسير الجميل منها حتى يقبح، وتُنتَخب المواقفُ الداعمة لسرديَّة النَّاجي، فيُجمَع منها ما يصلح لإثبات أنَّ النهاية لم تكن نهاية شيءٍ عزيز، بل «نجاةً من شيءٍ كان سيئًا» منذ البداية.

وهذه حيلة نفسية نحمي بها صورنا الفاضلة، ونؤجِّل بها افتضاح حُمْقنا وارتباكنا من الموقف، وربَّما استعرنا «لُطفَ الله الخفيِّ» لنصوِّر النهاية انتشالًا «بيد العناية السماويَّة» من مهاوي الشرِّ والرَّدى. ليس لأنَّ لله لطفًا - فهو اللطيف سبحانه -، بل لأنَّنا نحبُّ أن نجعل تأويلنا لذلك اللطف شاهدًا على صحَّة سرديَّتنا.

والحقيقة التي ندركها في لحظة إنصافٍ وهدوء، لا يطَّلع عليهما أحد: أنَّنا كنَّا مأخوذين برغائبنا أكثر من أن نعي أنَّ محطَّتنا التي نزلنا فيها، كانت محطتنا الأخيرة؛ فتألَّمنا حين قيل لنا: اهبطوا.. ثم غضبنا، وكرهنا، وانتقمنا.

والحقيقةُ أنَّ الكراهية، في بعض صورها، أيسرُ من الفقد؛ لأنَّ قولك: «كان سيِّئًا» أهونُ على النفس من اعترافها بحدود الأشياء: «كان عزيزًا، وانتهى المشوار معه»، وتشويهُ ما مضى أيسرُ من التسليم بأنَّ شيئًا جميلًا كنتُ أستحقُّه، لم أعد أستحقُّه، وهاهو ذا يتلاشى أمامي. وليس كلُّ حكايةٍ انتهت تحتاج إلى شريرٍ لتستقيم نهايتها، لكنَّنا - في محاولة حماية موقعنا الأخلاقي - نحتاج شيئًا نتطهَّر به، ونحمي به فضيلتنا من التآكل أمام الناس. وما أقسى حياة من يعيشُ لأعين النَّاس أكثر مما يعيشُ لنفسه وما تمليه عليه مسؤوليته. لكنَّ الكراهيةَ ليست نقيض التَّعلُّق، بل هي تعلُّقٌ غيَّر ملابسه، فإن كان التَّعلُّقُ رغبةً إبقاء الشَّخصِ جميلًا على الصورة التي نريد، فإنَّ الكراهية هي إبقاؤه مشوَّهًا على الصورة التي نريد كذلك. ولذا فالكراهية ليست إنزالًا للراكب من الباص؛ إنَّما نقله إلى مقعدٍ آخر: نُخرجه من مقعد المحبَّة، ثم نُجلسه في مقعد الكراهية، ونظلُّ نحمله معنا؛ نراقبه، ونستحضره، ونخاصمه في غيابه، ونفرح بعثرته، ونضيق بنجاحه، ونُعيد محاكمته كلَّما احتجنا إلى الاطمئنان إلى أنَّنا كنَّا الطرف الأفضل في الحكاية.

ولستُ أزعم أنَّ كلَّ كراهيةٍ حيلةٌ نفسيَّة، ولا أنَّ كلَّ نهايةٍ بريئةٌ من الظلم؛ فقد يفعل الإنسان بغيره ما يستوجب الغضب والنفور، وتكون في بعض النهايات خيانةٌ حقيقيَّة، وفي بعضها أذًى لا يحتاج صاحبه إلى اختراعه أو المبالغة فيه. لكنَّ وقوع الظلم يفسِّر نشأة الكراهية، ولا يوجب علينا الإقامة فيها؛ فما صنعه الآخر مسؤوليَّته، وما أصنعه أنا بما خلَّفه في قلبي يبدأ، بعد حين، في أن يكون مسؤوليَّتي. ولا يعني شيءٌ من هذا أن تبرِّئ من أساء إليك، أو تخترع الأعذار لمن ظلمك، أو تفتحَ الباب ثانيةً لمن كسرتَ «القُلَلَ» وراءه؛ فللفعل حكمه، وللإساءة تبعتها، وللحدود ضرورتها، وكما أنَّك لستَ مطالبًا بتبرئة أحدٍ حتى تتحرَّر منه، فإنَّك أنَّك لست مطالبًا بكراهيته حتى تثبت لنفسك أنَّك تحرَّرتَ منه. فالتخلّي الجادُّ أن تبلغ من خفَّة القلب حدًّا لا تعود معه محتاجًا إلى الحبِّ ولا إلى الكراهية، في إثبات وجهة نظرك.

فصلٌ: آداب النُّزول من الباص

1. انزل حين تصل محطَّتك بعض النهايات لا تحتاج إلى اجتماعٍ ختاميٍّ، ولا إلى «فرصة أخيرة» هي في الحقيقة الفرصة السابعة بعد الأخيرة. وإذا قيل لك: انتهت الرحلة هنا، فلا تجعل حفظ كرامتك متوقِّفًا على اقتناع الطرف الآخر بأنَّك كنت تستحقُّ محطَّةً أبعد.

2. خذ أمتعتك، واترك أمتعة الآخرين لهم خذ نصيبك من الذكريات، والدروس، والندم، والخطأ، وما يلزمك إصلاحه في نفسك. أمَّا لماذا فعل الآخر ما فعل، وهل ندم، وهل سيفتقدك، وهل سيجد مثلك، وهل سيعاقبه الله، ومتى سيكتشف فداحة خسارتك؛ فهذه كلُّها حقائب ليست باسمك.

3. لا تحرق الباص بعد النزول، ولا تتمنَّ له حادثًا مروريًّا لا يلزم أن يكون المكان الذي غادرته جحيمًا حتى تكون مغادرته صوابًا، ولا أن يكون من فارقته شيطانًا حتى يصحَّ لك فراقه. بعض الأشياء كانت جميلةً وانتهت، وبعض الناس كانوا أعزَّاء ثم اختلفت الطرق. لا تُفسد الماضي لتحتمل الحاضر؛ يكفي أنَّ الرحلة انتهت.

4. لا تُتبِع النَّظرة النَّظرة.. إذا نزلتَ أو أُنزلتَ من باصٍ، فلا تتعقَّب من تركته أو تركك، فإنَّ كذا مدخلٌ لزمانة الألم، ودوام الغضب، وبحبوحةٌ للحسد والسَّفه. لا تغادر جسدًا، وتبقى روحًا، فمن آداب التخلِّي أن تسمح للأشياء أن تحدث في غيابك.

5. لا تركب أوَّل باصٍ انتقامًا من الباص السابق الباص الجديد ليس مسكِّنًا، ولا الراكبُ الجديد شاهدًا تستدعيه لإثبات أنَّك ما زلت مرغوبًا، قد يهمُّنا الانتصار، لكنَّ الانتصار خارج المعركة خطابةٌ وضياع وقت. لا تُدخل إنسانًا جديدًا في قصَّةٍ قديمة، ولا تجعله يدفع أجرة رحلةٍ لم يركبها. اترك المقعد فارغًا قليلًا؛ فالفراغ أيضًا استعمالٌ مشروع للمقاعد.

6. لا تجعل تجربةً واحدة نظريَّةً في الجنس البشري خانكِ رجلٌ؛ لم يخنك أربعة مليارات رجل. خذلتك امرأة؛ فلا تخرج ببيانٍ عن كلِّ نساء الأرض (مسموح في الجلسات الخاصَّة فقط، ولأسباب الترويح المحض، ولا بأس أن تعقِّب بأنَّها مزحة، فالنَّاس اليوم أغبى من أن يقيِّدوا مُطلقًا، أو يخصِّصوا عامًّا). فشلتَ في زواجٍ، فلا تعتقد أنَّ الزواج مؤامرة، وخذلك صديقٌ فلا تعتب على من لم يخذلك، وفشلت شراكةٌ فلا يلزم أنَّ كلَّ شريكٍ لصٌّ مؤجَّل. لا تكن متألِّمًا وغبيًّا في الإحصاء في آنٍ، هوِّن عليك.

7. لا تدمن المساطب والأرصفة اجلس قليلًا إن احتجت، احزن، وابكِ، واستوعب ما حدث، والتفت إلى الباص وهو يبتعد إن كان لا بدَّ لك من التفاتةٍ أخيرة. لكن تجعل الرصيف بيتك، ثم تقول بعد أعوام إنَّ الحياة لم تمرَّ من هنا. الرصيف مكانٌ لانتظار الرحلة التالية، لا الإقامة. 

أخيرًا: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَأَحْسِنُواۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)..


النشرة البريدية

تدوينة جديدة على بريدك، حين تنضج

لا رسائل أسبوعية ولا ضجيج. تدوينة واحدة تصلك حين تكتمل.

بريدك لا يُشارَك مع أحد.