للهِ هِداياتٌ وألطافٌ يبثّها في ألوان من الأقدار والمحن. ولكل امرئٍ رزقُه الذي يُهدى إليه بواردات اللُّطف أو سياط الشدّة، فيجد فيه طمأنينةً يستأنس فيها رَوحَ الله وبردَ قربه. من ذلك ما يُحبَّب للإنسان من بعض صور الطاعة، أو بعض الآيات التي يتعلّق بها، أو يحب سماعها.
صوت المنشاوي في أذن الطفل الصغير كان يصدر عن بئرٍ بعيدة القاع، وكنتُ أتخيله صوت جبرائيل - عليه السلام - بالقرآن. كنت أسمعه من مذياع السيارة في طريقي للمدرسة، وفي فناء المدرسة قبل الطابور الصباحي، وفي مذياع جدي - رحمه الله - في قناة القرآن الكريم.. كنت أسمعه في كل مكان وأجد في تلاوته من السِّحر ما لا أستطيع تفسيره صغيرًا، لكنه كان الصوت الرسمي للقرآن لو كان للقرآن صوتٌ رسمي.
كَبُر الولد، وتمادت به الأيام، وتكاثرت عليه الصَّوارف، وتعدّدت في أذنه الأصوات، وخفت صوت المنشاوي في رَوعه، وعلا تلك الجمرة المنشاويّة في قلبه شيءٌ من الرماد، لكنه لا يزال يحب المنشاويّ ويجلّه.
قبل فترة دهمني ضيقٌ شديد وأنا أتجول ليلًا بسيارتي، شعرت فيه أنني أتنفس من ثقب إبرة، واسودّت الدنيا في عيني، وتمنيتُ الموت للحظة، فتسلّلت يدي لجيبي وأخرجت الجوال وطبعت على اليوتيوب: «المنشاوي». هكذا دون وعي كامل، وكأنه نمطٌ نفسيٌّ دِفاعيٌّ، فالنفس تعلم ما تحتاج بعيدًا عن كثافات الوعي والعقل. نقرت أحد المقاطع فانبعث صوت المنشاوي كالفجر على ظلام النفس: «يا أيها الإنسان ما غرَّك بربك الكريم الذي خلقك؟».
حرّك السيلُ المنشاويُّ حجرةً في أصل الخاطر الشيطاني، ولامس بردُ صوته لهيبَ الوسواس المحرق، فانفجرتُ في نوبة بكاء غير مخطط لها، وهو يكرّر: «ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسوّاك فعدلك؟». نفخ صوته على رماد السنين، ومسح بملائكيّته على مفاصل اليقين في روح الطفل يومًا.
المنشاوي ملاكٌ حارس، وسيفٌ من سيوف اليقين، ونهرٌ بارد للاغتسال من هموم الدنيا وأوساخ النفس. كتبتُ هذا الكلام بعد أن أيقظتني الحمى ووساوسها آخر الليل، فاحتجتُ لما يخفف عني، فهرعت للمنشاوي رحمه الله أغتسل ببرد تلاوته من حرّ الحمى. المنشاوي إحدى هدايات الله، وواردات لطفه بإذنه، فاللهم اجمعني به في مستقر الرحمة.
أصل النص: ستوري 11 نوفمبر 2022.
