الشَّيخوخة فكرة حقيقيَّة، وحتميَّة إنسانيَّةٌ ينتهي إليها من طال عمره، لكنَّ حقيقة الشيخوخة، ووقْعها، وأثرها مما يتفاوتُ فيه البشر، والإشكال في مفهوم الشيخوخة ثقافيٌّ = التَّواضع على معنى سلبيٍّ بالضَّرورة للكبر في السِّن، والتَّطبيع مع الذُّبول، والرِّضا بالضَّعف، وهذه المقادير الإضافيَّة وإن كانت لا تقبلُ العكس الكامل - إذ لا يمكن أن يعود الشَّيخ طفلًا بالفعل، ولا أن يستردَّ عافية الشباب، وروح الصِّبا - فيمكنها ألّا تتسارع دون حاجةٍ إلى هاويةٍ من التنازلات التي تُفضي إلى موت الروح قبل الجسد. يمكن أن يشيخ الإنسان على مهلٍ، وأن يأخذ الشيخوخة على ما تقتضيه مراحلها، فمن كان له فضيلةٌ في المشي فلا يتركها للوقوف، ومن كان قادرًا على الوقوف، فلا يُسلِم نفسه للجلوس والاضطجاع، فإنه إن رضي بالدُّون عزَّت عليه الحركة، وأسلم نفسه للسكون، والسكون تماوتٌ قبل الموت. وأنا في كلِّ هذا متحدِّثٌ عن الشيخوخةِ لا الهَرَم، وقد جعله ابن الجوزي موسمًا أخيرًا بعد الشيخوخة، وهي عنده بعد السبعين إلى نهاية العمر، ويجعل ابن سينا ««الانحطاط مع ظهور الضعف في القوّة» علامةً للهَرَمِ، وهو ما قولٌ في تفسير «أرذل العمر» عن بعضهم.
في زيارتي لإيطاليا هدا العام، كنتُ حريصًا على زيارة السَّيدة المعمَّرة آنّا بوسّي (Anna Possi)، في مقهاها الكائن ببلدة نيبيونو (Nebbiuno) شمال إيطاليا، بالقرب من بحيرة ماجوري. وهي أكبر ساقي قهوة في إيطاليا (وأظنُّ العالم)، عن مئة عامٍ وعامين! سكنتُ الليلة التي تسبق زيارتي للمقهى في مدينة بيرغامو (Bergamo) وهي إحدى مدن إقلم لامبورديا، في الشمال، وليس فيها ما يُمدح سوى المدينة العليا التاريخيَّة (Città Alta)، وطابعها العام الهادئ، وهي قاعدةٌ مناسبةٌ للتَّنقل في الشمال الإيطاليِّ، بدلًا عن ميلان المزدحمة بالنشّالين.
اكتريتُ سيَّارة تأخذني وزوجتي للمقهى الذي يبعد ساعة ونص عن بيرغامو إلى الشمال الغربيِّ، على سفوح الألب. انطلقنا نستمتع بالجوّ الصَّحو، ومرأى قمم الألب تتكشَّف في الأفق من بين السَّحاب.

وصلنا للمقهى المركزي (Bar Centrale)، وفي إيطاليا يستخدمون كلمة Bar على الوضع الأوّل، فهي لا تعني الحانات، بل مقاهي الحيِّ الصغيرة، التي تُشرب فيها القهوة صباحًا على عجلٍ، ويجتمع فيها المتقاعدون في الظهيرة، وهي الشَّكل الذي انتشر أواخر القرن التاسع عشر الميلادي في إيطاليا بتأثير أمريكي. المهمُّ، كان مركز البلدة هادئًا، والبلدة على طريق واحدٍ، يصلها بالبلدات المجاورة، تتوزّع على جانبي الطَّريق المباني التجاريّة والسكنيَّة ولا فرق كبير بينها يُذكر، ولا تدري أنّك في مركز البلدة إلا حين يتّسع الطريق قليلًا لبعض المواقف.
كنتُ متحمِّسًا لمقابلة آنا، التي عرفت عنها من خوارزميَّة انستجرام، ذات ليلة مؤرّقة، ورقَّ قلبي لها، فاستخبرت خرائط قووقل عن اسم مقهاها فدلني عليه، وبتُّ أمنِّي النفس بزيارتها، والحديث إليها، وسؤالها عن حياتها، وأخيرا: بكوب قهوة من يدها، أفاخر به وأظاهر، ومن فهم الإسناد والرواية، عرف أنني ظفرتُ بسندٍ عالٍ في المسلسل بشرب القهوة، ، فأنا شَرِيبُ أهل خمسينات القرن الماضي، حيث افتتحت السيدة آني المقهى مع زوجها عام 1958.

دخلنا المقهى، وكان خاليًا من الناس بائعهِم ومشتريهم، إذ الموظفون من ساعتين في أعمالهم، والسيَّاح لا يقصدون نيبيونو، إلا إذا أرادوا السلام على آنا بوسّي والحديث معها، وما أقلَّهم! كان المكان بسيطًا، نظيفًا، جميلًا يُثيرُ رغبةً في التنهُّد، شيءٌ يحكُّ مؤخر رأسك إن كنتَ من مواليد الثمانينات أو التسعينات، حيث الشبهُ بأماكن وذكريات عاديَّة يوميَّة مررت بها من عشرات السنين، ثمَّ تجدها أمامك دفعة واحدة، هذا المقهى كان أحد تلك الأماكن التي تشبه بيوت الجدّات وروائحها.
لم يكن خلف المنضدة أحدٌ، حيّيْتُ بالإنجليزيّة، وحيَّتْ زوجتي بالإيطاليَّة فلم يُجب أحدٌ، وبدأ يتسلَّل إليَّ إحباطٌ يسيرٌ، لم يتمكَّن حتى قَشعته خَشْخَشَةٌ من غرفة بجوار منضدة المقهى، التفتُّ لزجاجةٍ على باب الغرفة، فرأيتُ انعكاس رأس آنا الأشيب، وهي تعالج أمرًا في يديها، لم تكن تسمع جيّدًا، فاقترحتُ على زوجتي أن تدخل إليها وتسلّم؛ لتنبيهها. بعد ثوانٍ خرجت علينا آنا في زينتها، بمشية وئيدة، وابتسامة عريضةٍ، زادت من تغضُّن وجهها. كانت آنا قصيرةً، وأنيقةً جدًّا كعادة الإيطاليين في الاهتمام بمظهرهم.
ألقت علينا التحيَّة الإيطاليَّة بأفصح لهجة شماليَّة: «بونجورنو!». رددنا عليها التحيَّة، ثمَّ تكلّمتْ قليلًا بالإيطاليّة، وهنا عرفت أنَّ فرصة محادثتي معها أصالةً قد اختفت، فأنا لا أجيد الإيطاليّة، وهي لا تجيد الإنجليزيَّة، فتغيّر التكتيك إلى أن تكون زوجتي وسيطًا في الحديث بيننا، فهي - حفظها الله - تتحدَّث الإيطاليَّة بطلاقة. بادرتها زوجتي: «جئنا من مسافة طويلة لإيطاليا حتى نسعد برؤيتك، والحديث معك.. شكرًا لكل السِّنين التي خدمتِ بها البلدة». فأجابتها بجواب سريع: «لا أتخيّل نفسي جالسةً في البيت كحال من هم في سنِّي.. جلوسي في البيت يقتلني ببطء يومًا وراء يومٍ، أحبُّ الخروج للعمل الذي بدأته من سنوات طويلة.. الآن ولأنكما جئتما من بعيد، ماذا تشربان؟». طلبتُ كوبيْ قهوة بالعبارة التي تحفَّظتُها طوال الطريق: ”due caffè, per favore | كوبا قهوة.. من فضلك!“ ، والقهوة تنصرفُ في إيطاليا للاسبريسّو.. فكان ذلك. رحتُ أتأمَّلها وهي تقوم بالمهمَّة التي تقوم بها من 68 عامًا، تسحب قمع التقطير، تلقّمه بالبنّ، تعشّقه في الماكينة، تسحب فنجانا أبيض، تضعه بدقّه أسفل المرشِّح، وتضغط زرّ التشغيل، وتصفّف أطباق الفناجين مع ملاعق صغيرة ريثما يُستخلص الإسبريسّو، ثمَّ تضع الكوب على الطَّبق، وتضعه على المنضدة أمامها. في حالتنا كنَّا جلوسًا، فوضعت الفناجين على صينية تقديم، وضعتها على المنضدة.

أخذتُ الصينيَّة وتوجَّهت للطاولة، كان المكان يُذكّر بأشياء كثيرة: ثوب جدتي سلمى، وقت بعد الظهر في بيت جدتي غيدة يوم الخميس، بيت العَمري في أجياد ”المصافي“، بيت أبلة فتّو، كازينو البوّ في العوالي، طيوفٌ من هنا وهناك، وومضاتٌ غير كاملة من كلِّ شيء.

لم يدم الفنجان طويلًا، ووددنا الحديث مع آنّا أكثر، فكان لا بدَّ من مناسبة للحديث، فطلبنا الحساب، ولم يتجاوز وقتها 6 يوروهات (فنجانا قهوة، وقطعة من فطيرة المشمش المنزليَّة)، دفعتُ لزوجتي 50 يوروًا، وقلت لها: «أخبريها أنَّ هذه هديَّة للمحلِّ» وهنا وقفة ودرسٌ: فالطليان لا تنتشر عندهم ثقافة الإكراميَّة، بالذّات عند من يقومون بأنفسهم على أعمالهم، وربَّما رأوها انتقاصًا، فجعلنا موضوع الإكراميَّة المكان، لا الشخص، ومع هذا لم تقبلها آنَّا من أوَّل مرّة، وأخذت تردُّها بلطفٍ، وتقول: «لا حاجة لها، صدّقوني!»، ونقول لها: «هي للمكان، وللزيارة، لأي شيء جميلٍ في هذه الرحلة».. أخيرًا قبِلتها على وجهٍ جميلٍ، وهي أنّها أصلا تجمع التبرعات لجمعيَّة تعليم أطفال في المكسيك، فقبلتها وهي تقول: «سأضعها في الجمعيَّة، للأطفال الذين لا ينالوا حقهم الطبيعيَّ في التعلُّم.. تعالوا أريكم ترخيص الجمعيَّة، حتَّى تصدِّقوا!»، ونحن ندفع: «لا حاجة، نحن نصدّقك.. افعلي بالمال ما تشائين، أنت أدرى». سألتها زوجتي: «عجيب، أطفال المكسيك، وأنت في إيطاليا؟».. استعبرت قليلًا، وبدا على وجهها التَّأثر الصادق: «لقد متّعني الله بعمرٍ طويلٍ وصحَّةٍ، فأنا أشكر الله بأن أساعد غيري أيًّا كان، وفي أيِّ مكان».. ثمَّ قالت: «أنتم كُرماء.. جئتم إليَّ من مكانٍ بعيدٍ لتسألوا عنّي، ثمَّ ساعدتموني لأعين غيري». هنا أخبرتها (وتكلَّفت زوجتي الترجمة): «أنا مهتمُّ بقصص النَّاس، وأكتب عن القهوة، وقد اجتمع فيك القصَّة والقهوة، وأنا سعيدٌ أنني رأيتك، وأرجو أن أراك مجددًا»، هنا لم تستطع أن تخفي دمعتها «أنتم أناس لطيفون.. أتمنى أن تتركوا لي رسالة في دفتر الرسائل.. الكثير مِن مَن يزورني لأجل المحبة؛ يكتب لي في هذه المذكّرة».

أعطتنا مذكرتها والقلم، وكتبت لها زوجتي رسالة تذكاريّة تذكّرها بنا.. وحين انتهينا وهممنا بالخروج، نراك مجددًا، قالت: «أرجو ذلك، لكنني قد لا أعيش أكثر مما عشتُ»، تمنينا لها الصِّحة وطول العمر في خيرٍ.. ونحن عند الباب، نادت آنا زوجتي، وأعطتها حجرًا ملوّنًا، في البداية ظنّتها زوجتي تريد أن نقرأ لها العبارة في الحجر.. لكنها قالت: «هذه هدية لك، أرجو أن تتذكروني بها». خرجنا نمشي للسيَّارة، ومعنا قصَّةٌ فريدةٌ، وشعورٌ غريبٌ.. وحجرٌ.

